عهد مالك الأشتر (ر) .. كيف تصنع إنسان لا تهزمه نفسه
عهد مالك الأشتر (ر) .. كيف تصنع إنسان لا تهزمه نفسه
وقفات شبابية في عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رضوان الله عليه
حين نقرأ عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر، قد يتبادر إلى الذهن أنه كتاب في إدارة الدولة وتوجيه الحاكم؛ ولكن من يتأمل كلماته يجد أن الإمام عليه السلام لا يصنع فيه حاكمًا فحسب، وإنما يصنع إنسانًا:
إنسانًا إذا امتلك القوة لم تفسده، وإذا غضب لم يظلم، وإذا نجح لم يتكبر، وإذا اختلف مع الآخرين لم يسلبهم حقوقهم، وإذا خلا بنفسه بقي قلبه موصولًا بالله تعالى.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ».
هذه الكلمات ليست خاصة بمالك، ولا بحاكم عاش في القرن الأول الهجري؛ بل هي خارطة طريق لكل مؤمن، ولا سيما الشاب الذي يعيش اليوم بين ضغط الشهوة، وسرعة الغضب، وثقافة الظهور، وكثرة الخصومات.
والسؤال الذي ينبغي أن نضعه أمامنا هو:
أي إنسان يريد أمير المؤمنين عليه السلام أن يصنع منا؟
١-أصل البناء يبدأ من الداخل
من أوائل ما أوصى به الإمام مالكً الأشتر أن يتقي الله سبحانه، وأن يؤثر طاعته، وأن يكسر نفسه عند الشهوات.
وهنا يضع الإمام يده على أصل المشكلة؛ فنحن نريد إصلاح علاقتنا بالناس، والنجاح في الدراسة والعمل والأسرة، ولكننا ننسى أن كل ذلك يبدأ من علاقة الإنسان بنفسه وبربه.
إذا لم أستطع أن أقول لنفسي: لا، فكيف أكون حرًّا؟
إذا كان كل ما أشتهيه أفعله، وكل ما يغضبني أتكلم به، وكل صورة تلفتني أنظر إليها، وكل مقطع يظهر أمامي أتابعه، وكل رأي يخالفني أهاجمه؛ فهل أنا الذي أملك نفسي، أم أن نفسي هي التي تملكني؟
المؤمن ليس إنسانًا بلا رغبات، وإنما هو الذي يعرف متى يستجيب لرغبته ومتى يوقفها.
وهذه من أكبر معارك الإنسان المعاصر؛ لأن كثيرًا مما حوله يقول له: ماذا تريد أن تشاهد؟ ماذا تريد أن تشتري؟ ماذا تريد أن تأكل؟
أما الدين فيضع قبل ذلك سؤالًا أعمق:
٢-ماذا يريد الله سبحانه مني؟
لا تجعل نجاحك يصنع منك إنسانًا آخر
يقول أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر :
«وَإِيَّاكَ وَالإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الإِطْرَاءِ».
لا ينتظر الإمام حتى يصبح الإنسان طاغية، بل يعالج أول بذرة من بذور الطغيان، وهي الإعجاب بالنفس.
فقد لا نملك سلطانًا، ولكن قد تحملنا شهادة، أو مال، أو جمال، أو عدد من المتابعين، أو مكانة اجتماعية، على الشعور بأننا أفضل من غيرنا.
بل قد يدخل العجب على الإنسان من باب التدين؛ فيرى نفسه أكثر صلاة من فلان، أو أكثر علمًا، أو أكثر التزامًا، فتُبعده طاعته عن عباد الله بدل أن تقرّبه منهم.
والعلاج الذي يقدمه أمير المؤمنين عليه السلام هو: كلما كبرت في عين نفسك، فانظر إلى عظمة الله سبحانه فوقك.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى مكان مرتفع فحسب، وإنما أن تصل إليه ويبقى قلبك متواضعًا.
٣-الإنسان الحقيقي يظهر ساعة الغضب
يقول أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر : «حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ».
تأملوا في هذا التعبير: فتملك الاختيار.
فالإنسان في ذروة الغضب قد يرسل رسالة يندم عليها، أو يكتب تعليقًا لا تمحوه ذاكرة الناس، أو يتلفظ بكلمة تهدم علاقة عشر سنوات، ثم إذا هدأ قال: لم أقصد.
ولهذا لا يطلب الإمام منك ألّا تغضب، بل يطلب منك ألّا تسلّم قرارك لغضبك: انتظر حتى يسكن غضبك، ثم قرر.
فيقول عليه السلام لمالك الأشتر :«وَامْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ».
أمسك لسانك قبل أن يجرح، ويدك قبل أن تعتدي، وكبرياءك قبل أن يحوّل المسألة الصغيرة إلى معركة كبيرة.
ليست القوة أن تستطيع إيذاء الآخر؛ وإنما القوة أن تقدر عليه ثم تختار ألّا تظلمه.
٤-لا تجعل هاتفك مصنعًا للخصومات
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: لمالك الأشتر «لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ».
كم من علاقة انهدمت بسبب رسالة منقولة:
قال فلان عنك، وكتب فلان، وتكلم عليك فلان، وأرسلوا لي صورة!
وفي لحظة واحدة نصنع موقفًا كاملًا من إنسان، من غير أن نسمع منه.
وقد ينتقل الكلام من شخص إلى آخر، فيضيف كل واحد إليه شيئًا، حتى يصبح آخر الكلام غير أوله.
مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام تقول لك: تثبّت.
٥-لا تجعل أذنك بوابة يدخل منها كل شيء إلى قلبك.
ثم يقول عليه السلام لمالك الأشتر : «فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ، يَسْتُرِ اللهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ».
هذه ثقافة تختلف تمامًا عن ثقافة التشهير.
قد يخطئ الإنسان خطأً محدودًا، فيصوره الآخرون وينشرونه، فيتحول خطؤه إلى وصمة تلاحقه سنوات.
وليس المقصود تبرير الجرائم أو تضييع حقوق الناس، وإنما المقصود ستر الزلة الشخصية التي لا توجد مصلحة شرعية في فضحها.
وكما تحب أن يستر الله عليك، تعلم أن تستر على غيرك.
٦-انتبه ممن تصنع حولك
يقول أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر: «فَلْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ».
نحن نحب من يمدحنا ويؤيدنا، ولكن الإمام يجعل أفضل من تقرّبه منك أكثرهم قدرة على قول الحقيقة لك.
الصديق الحقيقي لا يبرر لك كل أخطائك. إن أخطأت قال لك: أخطأت. وإن ظلمت قال: ظلمت.
وإن تكبرت قال لك: تغيرت. وإذا رآك تسير في طريق خاطئ أمسك بيدك قبل أن تسقط.
فلا تبحث عن أصدقاء يجعلونك مرتاحًا دائمًا؛ بل ابحث عن أصدقاء يجعلونك أفضل.
٧-كيف تنظر إلى المختلف عنك؟
من أشهر كلمات أمير المؤمنين عليه السلام وأعمقها:
«فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ».
الذي يختلف معك في المذهب، أو الفكر، أو الثقافة، أو الجنسية، لا يفقد إنسانيته.
وهذا لا يعني أن كل الأفكار صحيحة، ولا يعني التنازل عن العقيدة؛ فلنا عقيدتنا، ولنا ما نعتقد أنه الحق، ولكن الفرق كبير بين أن ترفض فكرة وأن تهين إنسانًا.
نناقش العقيدة بقوة، ولكن من غير ظلم، ونرد على الفكرة من غير تعدٍّ، ونختلف من غير أن نسقط حقوق الناس.
ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ، وَالْمَحَبَّةَ، وَاللُّطْفَ».
قال: أشعر قلبك؛ أي لا تجعل الرحمة مجرد مجاملة خارجية، بل اجعلها حالة تسكن داخلك.
فحين يمتلئ القلب رحمةً، لا تتحول الخصومة عنده إلى إذلال، ولا يتحول الاختلاف إلى كراهية عمياء.
٨-القوة الحقيقية ليست في الانتقام
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ، وَلَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ».
بعض الناس إذا انتقم قال: جعلته يعرف من أنا!
ولكن القدرة على تحطيم إنسان ليست دائمًا دليل قوة، وقد يكون العفو أعظم قوة؛ لأنك فيه تنتصر على نزعة الانتقام في نفسك قبل أن تنتصر على خصمك.
ويقول عليه السلام:
«فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ».
قبل أن تحاسب الناس على أخطائهم، تذكّر كم مرة أخطأت أنت وطلبت من الله أن يغفر لك.
وكما تحب أن يعاملك الله برحمته، اجعل في تعاملك مع الناس نصيبًا من الرحمة.
والعفو لا يعني إلغاء الحق دائمًا، ولكنه يعني ألّا تجعل الانتقام أول خياراتك.
٩-العدل يبدأ عندما يكون الحق عليك
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وَأَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ».
ويقول عليه السلام: «أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ».
من السهل أن نطالب بالعدل عندما نكون مظلومين، ولكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يكون الحق على أبي، أو أخي، أو صديقي، أو جماعتي.
هل أبقى مع الحق، أم يصبح الحق عندي تابعًا للأشخاص؟
لا يصير الخطأ صحيحًا لأن صاحبه صديقي، ولا يصير الصواب خطأً لأن صاحبه خصمي.
المؤمن لا يسأل أولًا: من قال؟
بل يسأل: هل ما قاله حق؟
١٠-الخصومة لا تسقط الأخلاق
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ».
من أخلاق الإيمان أن يكون الإنسان وفيًّا؛ فإذا وعد وفى، وإذا اؤتمن حفظ، وإذا تعاقد التزم.
ولا يقول: هذا الإنسان لا أحبه، إذن يجوز لي أن أخدعه.
فالخصومة لا تسقط الأخلاق.
كل إنسان يستطيع أن يكون مهذبًا مع من يحبه، ولكن أخلاقه الحقيقية تظهر في طريقة تعامله مع من يخاصمه.
١١-لا تجعل الدنيا تأخذ كل وقتك من الله
يقول أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر: «وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ».
إذا كان مالك الأشتر، وهو والي بلد وصاحب مسؤوليات عظيمة، يحتاج إلى وقت يخلو فيه مع الله، فكيف بنا؟
نستيقظ والهاتف معنا، وننام وهو معنا، وقد نعرف في يومنا أخبار عشرات الناس، ولكننا لا نعرف ماذا جرى في قلوبنا.
نحتاج إلى صلاة لا نستعجلها، وآيات نقرؤها بتدبر، ودعاء نكلم فيه ربنا، ولحظات لا يكون بيننا وبين الله فيها هاتف ولا إشعار.
فالروح مثل الجسد؛ إذا لم تطعمها ضعفت.
١٢-السر الذي يجمع هذه الوصايا
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «وَلَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ».
لماذا لا أظلم؟ لأن هناك معادًا.
لماذا أمسك لساني؟ لأن هناك معادًا.
لماذا لا أخون ولا أتكبر؟ لأن هناك معادًا.
لماذا أنصف خصمي؟ لأنني سأقف يومًا أمام الله وحدي.
حين يصبح المعاد حاضرًا في وجدان الإنسان تتغير كثير من حساباته.
قد يكون همّ غير المؤمن أن ينتصر، أما المؤمن فيقول: المهم أن أنتصر وأرضي الله.
قد أستطيع أن آخذ حقي بطريقة محرمة، أو أشوّه إنسانًا بكلمة، أو أخفي ظلمًا لا يراه الناس؛ ولكن هناك من يراه.
وهنا تتحول العقيدة من معلومة ندرسها إلى قوة تربي سلوكنا.
الخلاصة
إذا أردنا أن نحمل من عهد أمير المؤمنين عليه السلام كلمات إلى حياتنا، فلنحمل هذه الوصايا:
١-«حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار»
لا تتخذ قرارك وأنت غاضب.
٢-«إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق»
لا تجعل الاختلاف يقتل إنسانيتك.
٣-«فليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك»
اقترب ممن يصلحك، لا ممن يصفق لك.
٤-«فاستر العورة ما استطعت»
لا تجعل خطأ أخيك مادةً للتشهير.
٥-«وأنصف الناس من نفسك»
كن عادلًا حتى عندما يكون الحق عليك.
٦-«ولا تندمن على عفو»
لا تجعل الانتقام أول خياراتك.
٧-«حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك»
اجعل الآخرة حاضرة في قراراتك اليومية.
وأخيرًا يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
٨-«فَلَنْ يَعْصِمَ مِنَ السُّوءِ، وَلَا يُوَفِّقَ لِلْخَيْرِ، إِلَّا اللهُ تَعَالَى».
فنحن مهما قرأنا، ومهما عرفنا من الأخلاق، نبقى بحاجة إلى توفيق الله: أن يعيننا على أنفسنا قبل غيرنا، وأن يجعلنا ممن إذا عرف الحق عمل به، وإذا غضب ضبط نفسه، وإذا قدر عفا، وإذا اختلف عدل، وإذا نجح تواضع، وإذا خلا رجع إلى ربه.
هذا هو الإنسان الذي أراد علي بن أبي طالب عليه السلام أن يصنعه.
وهذا ما نحتاج إليه في زمن كثرت فيه الكلمات وقلّ ضبط اللسان، وكثرت العلاقات وقلّت الرحمة، وكثر الظهور، وصعب على الإنسان أن يبقى أمينًا على قلبه ودينه.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاقتداء بأمير المؤمنين عليه السلام في أخلاقنا ووعينا وتعاملنا مع الناس، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بقلم: زاهر حسين العبد الله
مصدر عهد مالك الأشتر رضوان الله عليه
بحار الأنوار ، للعلامة المجلسي ، ج٣٣ ، ص٦٠٠ ، مكتبة صحراء النجف .

تعليقات
إرسال تعليق