أدب الحوار في القرآن الكريم (ج٢) انصت قبل أن تعترض
الحلقة الثانية: أنصت قبل أن تعترض
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
يا أحبتي، تعلّمنا في اللقاء السابق أن الحوار تبادل للكلام بقصد الفهم وبيان الحق، مع الاستماع والإنصاف وحفظ الكرامة.
واليوم نبدأ بأدب قد يبدو سهلًا، لكنه يحتاج إلى تدريب:
أن نسمع لِنَفهم، لا أن ننتظر انتهاء الآخر حتى نهاجمه.
كم مرة قاطعنا شخصًا، ثم اكتشفنا أنه كان يريد أن يقول شيئًا غير الذي فهمناه؟ وكم مرة أعددنا الجواب قبل أن تكتمل الفكرة؟
أولًا: المنطلق القرآني
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨].
يبيّن العلامة الطباطبائي أن الآية تصف أناسًا يطلبون الحق والرشد، فيستمعون إلى القول رغبةً في العثور على الحق، ثم يتبعونه. فالمقصود استماع يقود إلى التمييز والاتباع، لا مجرد مرور الكلمات على الأذن. [1]وهذا تلخيص للمعنى، وليس نقلًا حرفيًّا.
ومن هنا نستفيد:
لا يكفي أن أصمت بلساني، إذا كان قلبي منشغلًا بتجهيز الاعتراض.
ثانيًا: كيف نستمع؟ نقترح ثلاثة تطبيقات:
١. أتركه يُكمل فكرته
فالجملة الأخيرة قد تقيّد ما سبقها، أو توضّح مراده.
٢. أفرّق بين كلامه وتوقّعي عنه
قد أكون غاضبًا منه بسبب موقف سابق، فأفسّر كل عبارة على أسوأ وجه.
٣. أتأكد من فهمي قبل الرد
يمكن أن أقول: «هل تقصد كذا؟» أو: «أفهم من كلامك أنك تعترض على هذه النقطة، أهذا صحيح؟».
هذه التطبيقات مستفادة للتدريب، وليست ألفاظًا واردة في الآية.
ثالثًا: المعلم الروائي
ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إذا تمَّ العقل نقص الكلام».[2]
لا تدعو هذه الحكمة إلى ترك البيان النافع؛ وإنما نتعلّم منها ألّا نجعل كثرة الكلام مقياسًا للعلم. ومن تطبيقاتها في الحوار أن نمهل أنفسنا للفهم والتفكير، بدل الاستعجال في كل جواب.
رابعًا: مثال من حياة الشباب
قال شاب: «بعض المحاضرات لا أستفيد منها».
فقاطعه صاحبه: «أنت لا تحب الدين ولا مجالس العلم!».
لكن الشاب قد يكون يقصد طول المقدمة، أو صعوبة المصطلحات، أو عدم وضوح الموضوع.
والأقرب إلى الإنصاف أن يسأله:
«ما الذي لا تستفيد منه تحديدًا: الموضوع، أم طريقة الشرح، أم أنك تحتاج إلى مستوى مختلف؟».
بهذا السؤال انتقل الحوار من اتهام الشخص إلى فهم المشكلة
يذكر أحد الشباب رأيه في استخدام الهاتف أثناء الجلسات العائلية. ويُطلب من الآخر أن يلخّص رأيه قبل أن يوافق عليه أو يعترض.
ثم نسأل المتحدث:
هل عبّر زميلك عن مقصودك بدقة؟
خاتمة الحلقة
يا أحبتي، لا نستطيع مناقشة رأي لم نفهمه. وقد يكون أول تصحيح نحتاج إليه هو تصحيح فهمنا لكلام الآخر.
تطبيقنا:
في أول خلاف يمرّ بك، قل: «دعني أتأكد أنني فهمتك»، ثم لخّص مقصود صاحبك.
اللهم ارزقنا حسن الاستماع، وسلامة الفهم، وصدق طلب الحق.
بقلم: زاهر حسين العبد الله
[1] الميزان في تفسير القرآن، تفسير سورة الزمر، الآية ١٨.
[2] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة ٧١.

تعليقات
إرسال تعليق