مناعة الروح (٢١) «الجار ثم الدار» … هل للآخرين مكان في قلبك؟
مناعة الروح (٢١) «الجار ثم الدار» … هل للآخرين مكان في قلبك؟
من مدرسة الزهراء عليها السلام
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
يا أحبتي، ونحن نستذكر شهادة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، نسأل أنفسنا: أيّ خُلُق من أخلاقها يبقى معنا بعد انقضاء مجلسها؟
نتوقف اليوم عند كلمات قليلة، لكنها واسعة الدلالة:«يا بُنيّ، الجار ثم الدار».
ورد عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: رأيت أمي فاطمة (عليها السلام) قائمة في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة حتى انفجر (2) عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشئ، فقلت: يا أماه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني، الجار ثم الدار (١)
عبادة طويلة، وقلب حاضر مع الله، وفي هذا الحضور مكان لهموم الناس.
فكيف نقتدي بهذا القلب؟
أولًا: حين يعظم الله، تصغر الأنانية
قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتقين:« عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَه فِي أَعْيُنِهِمْ». (٢)
حين يعظم الله في قلب الإنسان، يصغر سلطان المال والجاه والمدح عليه، ويقدّم رضا الله على رغباته الأنانية.ولا يعني ذلك أن تصغر عنده آلام الناس؛ فإن الله الذي يعظّمه هو الذي أمره برحمتهم وأداء حقوقهم.
قال تعالى:﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وذكر في الآية نفسها: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]. جمعت الآية بين عبادة الله والإحسان إلى الناس؛ فمن آثار صدق العبودية أن نكون أرحم بأهلنا وأحرص على حقوق الآخرين.
فلنسأل أنفسنا: هل تزيدني عبادتي رحمةً بمن حولي؟
قد يطيل الإنسان صلاته، لكنه لا يصغي إلى أمّه، ولا يلتفت إلى تعب أهله. وهنا نحتاج إلى مراجعة أثر العبادة في أخلاقنا.
ثانيًا: هل ترى حاجات من حولك؟
من اللفتات المؤثرة في الخبر أن الزهراء عليها السلام كانت تذكر المؤمنين والمؤمنات بأسمائهم. ونستفيد من ذلك تربويًّا أن الاهتمام يصبح أقرب إلى واقع الناس حين نتذكر أشخاصهم وحاجاتهم: مريض ينتظر العافية، وشاب يبحث عن عمل، وأسرة أثقلها الدَّين، وطالب يحمل سؤالًا ولا يجد من يصغي إليه.
كم واحدًا من هؤلاء تذكّرناه في دعائنا؟
قال تعالى:﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].الدعاء للآخرين يربّينا على حب الخير لهم؛ فكيف نسأل الله أن يبارك لأخينا، ثم نستسلم للحسد إذا رأينا نعمته؟
ثالثًا: مسؤوليتك بقدر استطاعتك
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:«من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم». (٣)
إنه تحذير يوقظ الضمير من اللامبالاة، ولا نتخذه بمفرده حكمًا بإخراج الأشخاص من الإسلام.
فالانتماء إلى المسلمين يظهر في الشعور بمسؤولية تجاههم، والسعي في نفعهم بحسب الاستطاعة.
قال تعالى:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قد يكون نصيبك اتصالًا يخفف وحدة إنسان، أو مساعدة طالب، أو إرشاد محتاج إلى جهة موثوقة.
السؤال الذي نحتاج إليه هو: ماذا أستطيع أن أقدّم؟
رابعًا: دعاء لا يسمعه أخوك
عن الإمام الباقر عليه السلام: «أوشك دعوة وأسرع إجابة دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب».
وعن الإمام الصادق عليه السلام: «دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب يدرّ الرزق ويدفع المكروه». (٤)
في هذا الدعاء مجال للإخلاص؛ فأخوك لا يسمعك، وقد لا يعلم أنك تذكره، ولا تنتظر منه شكرًا أو مكافأة.
تقول: اللهم اشفِ فلانًا، ويسّر أمر فلانة، واقضِ دَين هذه الأسرة، واحفظ هذا الشاب.
ولنبدأ بأصحاب الحقوق علينا: الوالدين والأهل والمعلمين ومن أحسنوا إلينا.
قال تعالى:﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].ندعو بحسن ظنّ بالله، مع التسليم لحكمته في كيفية الإجابة وتوقيتها.
خامسًا: الاهتمام بالناس يشمل تعليمهم
حين ندعو للمحتاج بالفرج، ثم نستطيع مساعدته، يدعونا صدق الاهتمام إلى المبادرة.
ومن حاجات الناس أن يفهموا دينهم، ويجدوا جوابًا أمينًا عن أسئلتهم. ففي التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام خبرٌ عن امرأة جاءت إلى الزهراء عليها السلام تسألها عمّا أشكل على أمّها في صلاتها. فأجابتها، ثم تتابعت أسئلتها حتى بلغت عشرًا. ولما خجلت من كثرتها، شجّعتها الزهراء عليها السلام على مواصلة السؤال بقولها:
«هاتي وسلي عمّا بدا لك».
تفسير الإمام العسكري: قال أبو محمد العسكري عليه السلام: حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت: إن لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شئ، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك، فثنت فأجابت ثم ثلثت إلى أن عشرت فأجابت ثم خجلت من الكثرة فقالت: لا أشق عليك يا ابنة رسول الله،
قالت فاطمة: هاتي وسلي عما بدا لك ، أرأيت من اكترى يوما يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار يثقل عليه ؟ فقالت : لا .
فقالت : اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا فأحرى أن لا يثقل على ، سمعت أبي صلى الله عليه وآله يقول : إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلة من نور ثم ينادي منادي ربنا عز وجل : أيها الكافلون لأيتام آل محمد - صلى الله عليه وآله - ، الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم حتى أن فيهم يعني في الأيتام لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلم منهم ، ثم إن الله تعالى يقول : أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتى تتموا لهم خلعهم ، وتضعفوها لهم فيتم لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم ، ويضاعف لهم ، وكذلك من يليهم ممن خلع على من يليهم . وقالت فاطمة عليها السلام : يا أمة الله إن سلكة من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة وما فضل فإنه مشوب بالتنغيص والكدر .(٥)
وهذا ينسجم مع روح «الجار ثم الدار»: أن يكون لحاجة الآخرين مكان في وقتنا وعلمنا، كما يكون لها مكان في دعائنا. فالإنسان قد يحتاج إلى من يزيل حيرته، مثلما يحتاج إلى من يخفف فقره.
وقد يكون بجانبك شاب يخشى أن يسأل حتى لا يُسخر منه؛ فامنحه أمان الإصغاء، وساعده على الوصول إلى جواب صحيح، ودلّه على أهل الاختصاص فيما لا تعرفه. وتبدأ الخدمة من البيت بمعاونة الوالدين والإصغاء إلى الأهل، ثم تمتد إلى المجتمع. وتقديم الآخرين في الدعاء لا يبرّر إهمال واجبات الأسرة.
ختامًا: من ستذكر الليلة؟
لنخرج من محراب الزهراء عليها السلام بخطوات نستطيع تطبيقها:
١. نذكر أشخاصًا بأسمائهم في دعائنا، ونطلب لهم الخير بصدق.
٢. نتفقّد حاجة قريبة، ونسعى فيها بما نستطيع، مع حفظ كرامة صاحبها.
٣. نبذل فائدة موثوقة، أو نساعد سائلًا على الوصول إلى جواب صحيح.
وفي ذكرى شهادتها عليها السلام، نسأل الله أن يجعل حزننا عليها بابًا للاقتداء بها، وأن يجد أهلنا وإخواننا أثر محبتنا لها في رحمتنا بهم.ويبقى سؤال نأخذه إلى اللقاء القادم:
كيف يحمل الإنسان همَّ الآخرين بعلمه ووقته وجهده؟
في الحلقة القادمة من «مناعة الروح» (٢٢)، نلتقي أبان بن تغلب، ونقرأ من سيرته ما يضعنا أمام سؤال يمسّنا جميعًا:حين يحتاج إليك أحد… ماذا يجد منك؟ وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
بقلم: زاهر حسين العبد الله
المصادر
(١) دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري ( الشيعي )، ص ١٥٢.
(٢) نهج البلاغة، خطب الإمام علي ( ع )، ص ٣٠٣.
(٣) الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ١٦٣.
(٤) الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٥٠٧.
(٥) بحار الأنوار، ج ٢، العلامة المجلسي، ص ٣.

تعليقات
إرسال تعليق