مناعة الروح (٢٢) أبان بن تغلب… حين يصبح علمك عونًا للناس
مناعة الروح (٢٢) أبان بن تغلب… حين يصبح علمك عونًا للناس
من مدرسة الإمام الصادق عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
يا أحبتي، وقفنا في اللقاء السابق عند قول الزهراء عليها السلام: «الجار ثم الدار»، وتساءلنا: هل للآخرين مكان في قلوبنا؟
واليوم نتابع السؤال من زاوية أخرى: إذا تعلّمت شيئًا من الدين، فهل يجد الناس في علمك ما يعينهم؟ وهل تقرّبك مجالسة الصالحين من حاجات الناس؟
نلتقي رجلًا لقي ثلاثة من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وحمل علمهم إلى الناس، وكانت له منزلة عند الإمام الصادق عليه السلام؛ إنه أبان بن تغلب.
أولًا: بطاقة التعريف… من هو أبان؟
هو أبو سعيد، أبان بن تغلب بن رباح، البكري الجريري، الكوفي، من كبار أصحاب الأئمة ورواة حديثهم. اشتهر بالفقه والحديث وقراءة القرآن، وله معرفة باللغة العربية وآدابها.
ولم يكن من أصحاب الإمام الصادق وحده؛ فقد نصّ النجاشي على أنه لقي الإمام علي بن الحسين السجاد، والإمام محمد الباقر، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام، وروى عنهم، وكانت له منزلة لديهم.
إذن، نحن أمام رجل امتدت صلته العلمية بأهل البيت عبر ثلاثة أئمة، وقد توفي سنة ١٤١هـ في حياة الإمام الصادق عليه السلام.
ولا نجد في المصادر المعتمدة هنا تاريخًا مضبوطًا لمولده، أو تفصيلًا يحدد أول لقاء له بالإمام الصادق؛ ولذلك نتعرف إلى صلته به من المواقف والأخبار التي حفظتها كتب الرجال والحديث.
ثانيًا: كيف أصبح موضع ثقة الأئمة؟
من أبرز ما حفظته ترجمته أن الإمام الباقر عليه السلام أمره بالجلوس في مسجد المدينة للإفتاء.
وقال الباقر عليه السلام:
«اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك».
ومات في حياة أبي عبد الله عليه السلام، فقال الصادق عليه السلام لما أتاه نعيه:
«أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان».
ومات في سنة إحدى وأربعين ومائة. وروي أن الصادق عليه السلام قال له:
«يا أبان، ناظر أهل المدينة، فإني أحب أن يكون مثلك من رواتي ورجالي». (١)
تأملوا يا أحبتي: إمام يوجّه أحد تلامذته إلى أن يجلس للناس ويجيبهم عن مسائل دينهم. هذه مسؤولية تحتاج إلى علم وأمانة، وإلى تمييز ما يعرفه الإنسان مما لا يعرفه.
وفي عهد الإمام الصادق عليه السلام استمر هذا الدور؛ فقد روى أبان أن الإمام قال له:
«جالس أهل المدينة، فإني أحب أن يُرى في شيعتنا مثلك». (٢)
ونستفيد تربويًّا من هذا التوجيه أن المؤمن يحمل صورة عن المدرسة التي ينتمي إليها: في صدقه، وحسن كلامه، وإتقانه، وطريقة تعامله مع من يخالفه أو يسأله.
فهل يطمئن الناس إلى ديننا حين يرون أخلاقنا؟ وهل يجد زميل الدراسة أو العمل عندنا إنصافًا وأمانةً ورحمة؟
لا يُطلب من كل شاب أن يكون فقيهًا كأبان، ولكن يُطلب منه أن يتعلم ما يحتاج إليه، وأن يكون أمينًا فيما ينقل، وأن يحيل إلى أهل العلم فيما يجهله.
ثالثًا: قصته مع الإمام الصادق… علم يصحبه قرب ومحبة
نقل النجاشي خبرًا عن محمد ابن أبان، يذكر فيه أنه دخل مع أبيه على الإمام الصادق عليه السلام؛ فاستقبله الإمام بالتكريم، وأمر له بوسادة، وصافحه وعانقه وسأل عنه ورحّب به.
هذا خبر يعرّفنا بشيء من منزلته عند الإمام، ويكشف عن صلة تتجاوز مجرد سماع الدرس إلى التقدير والعناية.
ومع ذلك، فإن أهم ما نبحث عنه في هذه الصلة هو أثرها: ماذا تعلّم أبان؟ وماذا حمل إلى الناس؟
لقد بقي طالبًا يسأل الإمام، ويتلقى توجيهه، ويرجع إليه في المواقف التي تحتاج إلى بصيرة. ومن هنا تظهر لنا حقيقة تربوية: قد يتقدم الإنسان في العلم، وتبقى حاجته إلى التعلم والمراجعة قائمة.
فالعلم الذي ينفع صاحبه يزيده استعدادًا للفهم، وقبولًا للتصحيح، وشعورًا بمسؤولية الكلمة.
رابعًا: ماذا تعلّم منه؟ ثلاثة مشاهد
١. المحافظة على الصلاة
يروي أبان أنه صلّى خلف الإمام الصادق عليه السلام بالمزدلفة، فلما انتهى الإمام التفت إليه وحدثه عن الصلوات الخمس، وعن الوعد الإلهي لمن أقام حدودها وحافظ على مواقيتها.
عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، قَالَ: كُنْتُ صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ:
«يَا أَبَانُ، الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الْمَفْرُوضَاتُ مَنْ أَقَامَ حُدُودَهُنَّ، وَحَافَظَ عَلى مَوَاقِيتِهِنَّ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عِنْدَهُ عَهْدٌ يُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ؛ وَمَنْ لَمْ يُقِمْ حُدُودَهُنَّ، وَلَمْ يُحَافِظْ عَلى مَوَاقِيتِهِنَّ، لَقِيَ اللَّهَ وَلَا عَهْدَ لَهُ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ». (٣)
أبان صاحب علم ومكانة، والإمام يذكّره بالصلاة. ونستفيد من ذلك أن نمو المعرفة يحتاج إلى عناية مستمرة بأصول العبادة.
قد ننشغل بنقاش ديني طويل، ثم نتساهل في صلاتنا. وقد نحفظ معلومات كثيرة، ثم لا نعطي الوقوف بين يدي الله حقه من الاهتمام.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فلنربط ما نتعلمه بمراجعة سلوكنا: هل أعانتنا المعرفة على المحافظة على الصلاة؟ وهل ظهر أثرها في صدقنا وأمانتنا؟
٢. التثبت في فهم أحكام الله
ومن تعليمه لأبان قوله عليه السلام:
عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ:
«إِنَّ السُّنَّةَ لَا تُقَاسُ، أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً تَقْضِي صَوْمَهَا وَلَا تَقْضِي صَلَاتَهَا؟ يَا أَبَانُ، إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ». (٤)
وبيّن له في الخبر اختلاف حكم قضاء الصوم عن قضاء الصلاة للمرأة في أيام الحيض، مع أن كليهما عبادة.
والمقصود هنا التحذير من إنشاء الحكم الشرعي اعتمادًا على التشابه الظاهري بين المسائل، دون حجة معتبرة. أما العقل والبحث وفهم الأدلة، فلها مكانها في تحصيل المعرفة.
وللشاب من هذا أدب عملي: حين يلتبس عليك حكم، فاسأل عن دليله وطريقة فهمه، ولا تجعل الانطباع السريع فتوى تنسبها إلى الله.
وقد يكون أقرب طريق لحماية دينك أن تقول: لا أعلم، سأراجع من يعلم.
٣. الالتفات إلى حاجة المؤمن
وهنا نصل إلى موقف يربط درس أبان بدرس «الجار ثم الدار».
يروي أبان أنه كان يطوف مع الإمام الصادق عليه السلام، فأشار إليه رجل من أصحابه، وكان قد طلب منه الذهاب معه في حاجة. وكره أبان أن يفارق الإمام، فاستمر في الطواف.
ثم تكررت إشارة الرجل، فلاحظ الإمام ذلك، وسأل أبان عنه. ولما عرف أنه رجل من أصحابه يحتاج إليه، قال له: «فاذهب إليه».
حيث قال له الإمام الصادق عليه السلام:
«يا أبان، إياك يريد هذا؟ قلت: نعم. قال: فمن هو؟ قلت: رجل من أصحابنا. قال: هو مثل ما أنت عليه؟ قلت: نعم. قال: فاذهب إليه. قلت: فأقطع الطواف؟ قال: نعم». (٥)
ونقف هنا عند دلالته التربوية؛ أما أحكام قطع الطواف واستئنافه فتُؤخذ بتفصيلها من الفقه.
تأملوا هذا المشهد: أبان حريص على صحبة الإمام، والإمام يوجّه حرصه إلى الاستجابة لأخيه المحتاج.
ومن هذه الحادثة نفهم أن مجالسة المعلّم الصالح تثمر حين نتعلم منه كيف نؤدي حقوق الناس.
قد يكون تطبيق الدرس بعد المجلس في الإصغاء إلى أمّك، أو مساعدة زميل تعثّر في فهم مسألة، أو الوفاء بوعد قطعته لمن يحتاج إليك.
خامسًا: ماذا كان دوره في حياة الإمام الصادق؟
يمكن أن نرى دوره في ثلاثة أعمال واضحة:
١. حفظ الحديث ونقله
نقل النجاشي خبرًا عن الإمام الصادق عليه السلام يذكر فيه أن أبان روى عنه ثلاثين ألف حديث، ويوجّه إلى روايتها عنه. وهذه شهادة واردة في ترجمته على سعة تحمله للحديث، ولا تعني أن ثلاثين ألف رواية مستقلة عنه موجودة اليوم بأيدينا. (٦)
٢. تعليم الناس والإجابة عن أسئلتهم
كان يجلس للناس، ويُسأل عن مسائل الدين، فينقل إليهم ما تعلّمه. فكان من حملة علم الإمام الذين ينتفع بهم من لا يتيسر لهم الوصول إليه.
٣. تدوين المعرفة وخدمة القرآن
ذكر النجاشي له مؤلفات، منها تفسير غريب القرآن، وكتاب الفضائل، وكتاب صفين، وذكر اشتهاره بالقراءة واللغة. والمقصود بغريب القرآن بيان الألفاظ التي تحتاج إلى شرح لغوي.
هكذا اجتمعت في سيرته القراءة، والتعلّم، والرواية، والتعليم، والتأليف. ونستفيد من هذا أن خدمة الدين تحتاج إلى معرفة راسخة ووسيلة أمينة لإيصالها.
والشاب اليوم يستطيع أن يبدأ بما يحسنه: يتثبت من نص قبل نشره، أو يساعد زميلًا على فهم فائدة موثوقة، أو يهيئ سؤالًا واضحًا يعرضه على المختص.
قال تعالى:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
سادسًا: رحيل أوجع قلب الإمام
توفي أبان في حياة الإمام الصادق عليه السلام سنة ١٤١هـ، ونُقل عن الإمام في وفاته قوله:
عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ذكرنا أبان بن تغلب عند أبي عبد الله عليه السلام، فقال:
«رحمه الله، أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان». (٧)
كلمات مؤثرة في رجل حمل علم أهل البيت وبذله للناس.
وحين نقرأها، لا نكتفي بالإعجاب بمكانته، بل نسأل أنفسنا: ما الخير الذي نتركه في حياة من حولنا؟ إذا غبنا، هل يفتقدون صدقًا اعتادوه، أو عونًا وجدوه، أو علمًا انتفعوا به؟
إن سيرة أبان تفتح أمامنا طريقًا عمليًّا: نتعلّم، ونتثبت، ونحافظ على عبادتنا، ثم نبذل مما نعرفه ونقدر عليه.
ختامًا: ماذا يجد منك من يحتاج إليك؟
يا أحبتي، عرفنا في هذا اللقاء أن أبان لقي السجاد والباقر والصادق عليهم السلام، وأنه كان من حملة علمهم، ومن المعلّمين الذين انتفع الناس بهم، وأن الإمام الصادق وجّهه في موقف عملي إلى قضاء حاجة أخيه.
ولنخرج من سيرته بثلاث خطوات لهذا الأسبوع:
١. نتعلّم مسألة نحتاج إليها في عبادتنا من مصدر موثوق.
٢. ننفع شخصًا بما نحسن، ونحيله إلى المختص فيما نجهل.
٣. نتفقّد حاجة قريبة، ونبذل فيها ما نستطيع مع حفظ كرامة صاحبها.
في الحلقة السابقة تعلّمنا من الزهراء عليها السلام أن نذكر الآخرين في دعائنا. واليوم نتعلم من خبر أبان مع الإمام الصادق عليه السلام أن نجعل لهم نصيبًا من وقتنا وجهدنا.
اللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وقلبًا رحيمًا بعبادك، واجعلنا ممن يحملون هدي محمد وآل محمد بأمانة، وينفعون به من حولهم.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
بقلم: زاهر حسين العبد الله
المصادر:
(١) شرح أصول الكافي، ج ٢، صدر الدين محمد الشيرازي (صدر المتألهين)، ص ٣٣.
(٢) أعلام الهداية، ج ٨، المجمع العالمي لأهل البيت (ع) ـ لجنة التأليف، ص ٦٣.
(٣) الكافي (دار الحديث)، ج ٦، الشيخ الكليني، ص ١٥.
(٤) الكافي (مُشَكَّل)، ج ١، الشيخ الكليني، ص ٥٧.
(٥) جامع أحاديث الشيعة، السيد حسين البروجوردي، ج ١١، ص ٣٣٣.
(٦) النجاشي، رجال النجاشي، ص ١٢، الخبر المروي عن أبان بن عثمان.
(٧) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، ج ٢، الشيخ الطوسي، ص ٦٢٢.

تعليقات
إرسال تعليق