حوارية (١٨٥): هل تسقط آية الإمامة أمام هذه الإشكالات؟
حوارية (١٨٥): هل تسقط آية الإمامة أمام هذه الإشكالات؟
قراءةٌ كلاميةٌ في دلالةِ آيةِ الإمامةِ ومناقشةُ إشكالاتِ السيدِ كمال الحيدري؛ حواريةٌ تخيليةٌ مع السيدِ الحيدري للإجابةِ عن إشكالاتِه التي أثارَها في أحدِ المقاطعِ المرئية . وبطلبٍ من جملةٍ من المؤمنين للتصدي للجوابِ عن تلك الإشكالات، قمنا بهذا الجهدِ المتواضعِ لردّها بطريقةٍ علميةٍ، ودون التعرضِ الشخصيِّ لصاحبِ الإشكالات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
إن البحث في الإمامة ليس بحثًا في لفظ قرآني مجرد، وإنما هو بحث في طبيعة القيادة الدينية، ومصدر مشروعيتها، وحدود حجيتها، وصلتها بالهداية الإلهية.
وقد أثار أحد الفضلاء في مقطع متداول مجموعة من الإشكالات حول الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤).
والميزان في مناقشة هذه الإشكالات هو الدليل وتحليل دلالة النصوص، مع حفظ حرمة الأشخاص والابتعاد عن التجريح.
وقد تواصلت مع عدد من أهل الاختصاص، منهم سماحة آية الله الشيخ علي الدهنين، وسماحة آية السيد منير الخباز حفظه والشيخ حيدر السندي، والسيد ضياء الخباز، واستفدت من إجاباتهم في معالجة هذه المسائل. ثم حررت هذه النسخة في ضوء ملاحظات سماحة آية الله السيد منير الخباز حفظه الله الواردة على الحوارية.
والأسئلة الآتية صياغة حوارية لمضامين الإشكالات المطروحة، وليست نقلًا حرفيًا لجميع ألفاظ صاحب المقطع.
أولًا: حصر الإشكالات الواردة في المقطع
بعد مراجعة النص المفرغ، يمكن إرجاع اشكالات السيد كمال الحيدري إلى سبعة إشكالات أساسية:
١- إشكال الجعل: من أين ثبت أن قوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ يدل على النص والتعيين التشريعي، مع استعمال القرآن الجعل في الأمور التكوينية؟
٢- إشكال أئمة الضلال: إذا كانت الإمامة بالجعل الإلهي، فلماذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؟ وهل تكون إمامتهم بالنص أيضًا؟
٣- إشكال معنى الإمامة: لماذا تُفسّر الإمامة بالخلافة والقيادة، مع أن القرآن وصف كتاب موسى بأنه إمام، واستعمل الإمامة بمعنى القدوة؟
٤- إشكال العصمة: كيف يُستفاد من قوله تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ اشتراط عدم صدور الظلم في جميع مراحل حياة الإمام، بدل اشتراط انتفائه حال توليه الإمامة؟
٥- إشكال الانطباق: حتى لو ثبتت الإمامة الإلهية والعصمة، فما الدليل على انطباق هذه الإمامة على أمير المؤمنين علي عليه السلام؟
٦- إشكال الاستمرار: ما الدليل على استمرار الإمامة في ذرية إبراهيم عليه السلام، ثم في السلسلة التي يعتقد بها الإمامية، دون انقطاع؟
٧- إشكال الكلمة الباقية: من أين ثبت أن المراد بقوله تعالى ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ هو الإمامة، لا كلمة التوحيد؟
وألحق المتحدث بهذه الإشكالات نقدًا لمنهج تدريس علم الكلام في الحوزات العلمية، وهو نقد مؤسسي مستقل عن دلالة الآية، ولا يصح جعله دليلًا على صحة الاعتراضات العقدية.
والآن نعرض الإشكالات ونناقشها في حوار علمي، مستعينين بالله تعالى.
ثانيًا: الحوار العلمي
المحور الأول: هل الجعل الإلهي يعني النص على الإمام؟
المحاور: السيد كمال الحيدري
أنتم تستدلون بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ على أن الإمامة بالنص والتعيين الإلهي. ولكن من قال إن الجعل هنا تشريعي؟ أليس القرآن يستعمل الجعل في الأمور التكوينية أيضًا؟
الجواب: بسمه تعالى.
أحسنت في أصل السؤال؛ لأن لفظ الجعل لا يدل بمفرده، وفي جميع استعمالاته، على التشريع أو النص على شخص بعينه.
ولكن موضع المناقشة هو انتقالك من تعدد استعمالات اللفظ إلى نفي دلالته في مورد معين. فالجعل في القرآن يتحدد معناه بالسياق ومتعلقه، وليس بمجرد وجود اللفظ.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ (النبأ: ١٠). وقال سبحانه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (ص: ٢٦).
فهل الجعل في الآيتين من سنخ واحد؟
كلا؛ ففي الأولى بيان لنعمة تكوينية، وفي الثانية إسناد منصب ومسؤولية إلى داود عليه السلام.
أما في آية نبي الله إبراهيم (ع) ، فلدينا ثلاث قرائن:
القرينة الأولى: قوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾، وهو خطاب إلهي مباشر يتضمن إسناد الإمامة إلى الله تعالى.
القرينة الثانية: قول نبي الله إبراهيم(ع) ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، وهو طلب امتداد هذا المقام إلى بعض ذريته، لا مجرد الإخبار عن صفة طبيعية.
القرينة الثالثة: قوله تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فقد عبّر عن هذا المقام بأنه عهد الله سبحانه ، ووضع قيدًا فيمن يصلح لنيله.
وهذه القرائن مجتمعة تدل على أن الإمامة المذكورة منصب إلهي، وليست مجرد حالة اجتماعية تنشأ من اقتداء الناس بشخص.
المحاور: السيد كمال الحيدري
ولكن هل تثبت الآية وحدها أن كل إمام لا بد أن يُنص عليه باسمه؟
الجواب:
الإمامة التي تتحدث عنها الآية عهد إلهي، فالله سبحانه هو الذي يمنح هذا المنصب ويحدد من يستحقه. ومن ثم لا يتحول هذا العهد إلى منصب يستقل الناس بإنشائه بمجرد اختيارهم.
أما تعيين مصداقه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فله أدلته من القرآن والسنة القطعية، كما سيأتي في المحور الخامس. فالآية تقرر أصل المنصب ومصدره، وتبيّن النصوص الأخرى من اصطفاه الله سبحانه للقيام به.
المحور الثاني: هل جعل أئمة النار ينقض الإمامة الإلهية؟
المحاور: السيد كمال الحيدري
إذا كانت الإمامة بالجعل الإلهي، فكيف يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (القصص: ٤١)؟ هل تلتزم بأن الله نصّب فرعون وأئمة الضلال كما نصّب نبي الله إبراهيم(ع) ؟
الجواب:
القرينة الفاصلة في آية نبي الله إبراهيم(ع) هي قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. فهذا القيد يدل على أن الإمامة التي جعلها الله لإبراهيم(ع) إمامة هداية، وليست مطلق رئاسة قد تقود إلى الحق أو إلى الباطل.
فلو كان المقصود مطلق القيادة الاجتماعية أو الملك العام، لما صح نفيه عن الظالمين؛ إذ إن الرئاسة الاجتماعية قد ينالها الظالم وغيره، وأئمة النار أنفسهم قادة في الضلال. أما العهد الذي تتحدث عنه آية نبي الله إبراهيم (ع) فقد استُبعد الظالمون من نيله، فدل ذلك على خصوصيته بوصفه منصب هداية إلهية. وهذا ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: ٧٣). وأما قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (القصص: ٤١)، فسياقه في ذم قيادة الضلال، فلا يصح تسوية الموردين لمجرد اشتراكهما في لفظ الجعل والإمامة.
المحاور: السيد الحيدري
ولكن الله نسب الجعل في الحالتين إلى نفسه، فما الفرق؟
الجواب:
نسبة وقوع شيء إلى الله تعالى لا تستلزم رضاه سبحانه التشريعي بذلك الشيء. كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ (الأنعام: ١٢٣).فهل يعني ذلك أن الله أمر المجرمين بالمكر وأضفى الشرعية على إجرامهم؟
بالطبع لا. كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر: ٧). فلا بد من التمييز بين وقوع الأفعال في عالم الخلق بإذن الله التكويني، وبين الأمر بها والرضا عنها تشريعيًا. ومن هنا، فإن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لا يدل على منحهم منصبًا دينيًا مشروعًا.
بل سياق الآيات في فرعون وجنوده سياق ذم وعقوبة، لا مدح واصطفاء.
والنتيجة:
لا تناقض بين جعل نبي الله إبراهيم (ع) إمام هداية بعهد إلهي، وجعل فرعون وأتباعه أئمة ضلال بالمعنى الذي يقتضيه السياق. لكن تحديد طبيعة الجعل في كل مورد يحتاج إلى القرائن، لا إلى افتراض أن جميع استعمالات اللفظ متطابقة.
المحور الثالث: هل الإمامة تعني مجرد القدوة أم الخلافة؟
المحاور:
القرآن وصف كتاب موسى(ع) بأنه إمام، فقال: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ نبي الله مُوسَىٰ (ع) إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ (الأحقاف: ١٢). فهل كتاب موسى (ع) خليفة؟ وإذا كان الإمام يعني القدوة، فلماذا تجعلونه خليفة يتولى قيادة الأمة؟
الجواب:
ينصرف لفظ الإمام، عند إطلاقه على شخص في العرف العربي، إلى الرئيس المطاع الذي تُنفّذ أوامره، كما نبّه سماحة السيد منير الخباز في ملاحظاته. وأما إرادة مجرد القدوة فتُعرف بالقرينة. ففي قوله تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ (الأحقاف: ١٢)، دلّ كون الموصوف كتابًا على أن المراد ما يُهتدى به ويُقتدى. وكذلك يُفهم معنى القدوة في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: ٧٤) بقرينة مقام الدعاء.
فلا يصح نقل المعنى المستفاد من هذه القرائن إلى آية إبراهيم، ثم إلغاء دلالتها على الرئاسة والهداية الملزمة، مع أن سياقها سياق جعل إلهي وعهد لا يناله الظالمون.
المحاور: السيد الحيدري
وما الدليل على أنها أكثر من مجرد القدوة؟
الجواب:
إن نبي الله إبراهيم عليه السلام كان نبيًا وموحدًا وقدوة في الدين قبل الخطاب المذكور، والآية تتحدث عن ابتلاءات أتمّها، ثم عن جعل إلهي للإمامة. وقد استدل العلامة الطباطبائي من هذا السياق على أن الإمامة المذكورة مقام مخصوص في الهداية، لا مجرد كون نبي الله إبراهيم (ع) قدوة يقتدي الناس بأفعاله.
وقد بيّن العلامة الطباطبائي، عند تفسير الآية، أن هذه الإمامة موهبة جاءت بعد إتمام الابتلاءات، وذكر امتحان ذبح إسماعيل من أوضح شواهدها. وهذا عرض لمعنى كلامه، لا نقل حرفي له. [١]
وهنا يحسن الرجوع إلى آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: ٧٣). فالإمامة هنا مرتبطة بالهداية بأمر الله سبحانه، لا بمجرد حصول الاقتداء الاجتماعي. فاجتماع الانصراف العرفي إلى الرئيس المطاع مع قرينة العهد الإلهي والهداية يبيّن أن المقام يتجاوز مجرد كون الإنسان مثالًا حسنًا يقتدي به غيره.وقد بيّن الشيخ المفيد وظائف الأئمة القائمين مقام الأنبياء، فذكر تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام. [٢] وتفصيل هذه الوظائف يُبحث في ضوء مجموع أدلة الإمامة.
المحور الرابع: هل قوله تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يدل على العصمة طوال العمر؟
المحاور: السيد الحيدري
الآية تقول إن عهد الله لا ينال الظالمين. فلماذا تقولون إن الإمام لا بد أن يكون معصومًا منذ ولادته، وألا يكون قد أشرك بالله طرفة عين؟ أليس المعنى أنه لا يكون ظالمًا حين يتولى الإمامة؟
الجواب:
يُبحث من جهة اللغة في صدق وصف الظالم على من انقضى عنه الظلم، وهذه من مسائل المشتق المعروفة في علم الأصول. غير أن الاستدلال هنا يقوم على سياق الآية ومقام سؤال نبي الله إبراهيم (ع) وجواب الله سبحانه، فلا يتوقف على حسم البحث اللغوي في لفظ «الظالمين» منفردًا.
المحاور: السيد الحيدري
وما هذا الاستدلال؟
الجواب:
ذكر العلامة الطباطبائي في تفسير الآية، نقلًا عن بعض أساتذته، تقسيمًا لذرية إبراهيم بحسب التلبس بالظلم، وحاصله أربعة أقسام:
الأول: من كان ظالمًا طوال حياته.
الثاني: من لم يتلبس بالظلم أصلًا.
الثالث: من كان ظالمًا ثم تاب وصلح.
الرابع: من كان صالحًا ثم انتهى إلى الظلم. [١]
ومقام نبي الله إبراهيم عليه السلام أجلّ من أن يطلب الإمامة لمن يستمر على الظلم، أو لمن تكون عاقبته الظلم. فيبقى في دائرة طلبه من لم يظلم أصلًا، ومن سبق منه الظلم ثم تاب.
وهنا تظهر دلالة الجواب الإلهي: لو كان إبراهيم قد قصد خصوص من لم يتلبس بالظلم أصلًا، لما كان استبعاد الظالمين جوابًا يبيّن قيدًا فيمن شملهم طلبه.
فقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يكشف عن دخول من ظلم ثم تاب في دائرة السؤال، ويُخرجه من أهلية نيل العهد. وعليه، فإن المنع يشمل من تلبس بالظلم في فترة من حياته ثم تاب، ويبقى مستحق هذا العهد من لم يتلبس بالظلم في شيء من عمره. وهذا هو وجه الاستدلال على العصمة طوال العمر، المستفاد من سياق السؤال والجواب، كما أوضحه سماحة السيد منير الخباز حفظه الله.
المحاور: السيد الحيدري
ولكن أليس هذا الاستدلال مبنيًا على افتراض أن نبي الله إبراهيم (ع) لم يطلب الإمامة للتائبين؟
الجواب:
بل يقوم الاستدلال على دخول التائبين في دائرة طلبه؛ فإن جواب الله هو الذي يستبعد من سبق منه الظلم، وإن تاب وأصلح.
فلا يصح الاعتراض على هذا الاستدلال بأنه يفترض إخراج التائبين من السؤال، وهو قائم على دخولهم فيه.
وهذا برهان سياقي مستفاد من مناسبة جواب الله لطلب إبراهيم، لا مجرد دعوى في الدلالة اللغوية لوصف «الظالمين».
ومن الأدلة التي يستأنس بها في مقام الهداية قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ﴾ (يونس: ٣٥).
وقد استدل العلامة الطباطبائي بهذه الآية على أن الإمام الهادي بأمر الله سبحانه لا يكون محتاجًا في أصل هدايته إلى من يصحح له ضلاله.ومن الناحية الكلامية، قرر السيد المرتضى في كتابه الذخيرة أن حاجة الأمة إلى الإمام ترتبط بإمكان وقوع الخطأ منها، وأن الإمام الذي يُرجع إليه لإزالة هذا الخطأ لا بد من قيام دليل يؤمّن الاعتماد على هدايته. [٣]
كما صرح الشيخ المفيد بعصمة الأئمة في حفظ الدين وأحكامه.
المحاور: السيد كمال الحيدري
وهل منع من تاب من نيل هذا المنصب يعني عدم قبول توبته؟
الجواب:
قبول التوبة أمر، والأهلية لعهد الإمامة أمر آخر. فالآية تبحث في شروط من يصطفيه الله لهذا المنصب، ولا تنفي مغفرته للتائب أو ما يناله من رحمته. ومن ثم لا تلازم بين قبول التوبة واستحقاق كل مقام إلهي.
المحور الخامس: ما علاقة إمامة نبي الله إبراهيم(ع) بإمامة الإمام علي عليه السلام؟
المحاور: السيد الحيدري
لنفترض أننا سلّمنا بأن الإمامة منصب إلهي، وأن الإمام يجب أن يكون معصومًا. فما علاقة هذا كله بمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟ وأين اسمه في آية إبراهيم؟
الجواب:
لا تُقرأ آية إبراهيم بمعزل عن سائر أدلة الإمامة. فهي تقرر أن الإمامة عهد إلهي لا يناله الظالم، ثم تأتي الأدلة القرآنية والسنّة القطعية لتبيّن انطباق هذا المقام على أمير المؤمنين عليه السلام. ومن الأدلة القرآنية التي يُستدل بها في المدرسة الإمامية آية المباهلة، وآية الولاية، وآية إطاعة أولي الأمر. فقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦)، فأثبت للنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله الولاية على المؤمنين.
وقال في المباهلة: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ (آل عمران: ٦١).وبناءً على ما ثبت من خروج الإمام علي عليه السلام مع النبي في المباهلة، ودخوله في عنوان «أنفسنا»، يستدل الإمامية على ثبوت ما للنبي من الولاية له، مع استثناء النبوة وما اختص الدليل به بالنبي.
وهذا تقريب لوجه الاستدلال الذي أشار إليه السيد منير حفظه الله، وليس ادعاءً أن لفظ «علي» ورد في الآية. ويُضم إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (المائدة: ٥٥)، وما ورد في بيان مصداقها. وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، وما دل على تعيين أولي الأمر. وتفصيل هذه الاستدلالات مبسوط في المصنفات الإمامية المشار إليها في المراجع. [٦]
المحاور: السيد الحيدري
وهل يكفي الاستدلال بالروايات في قضية عقدية مهمة؟
الجواب:
الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام قائم على مجموع ما ثبت من الكتاب والسنة القطعية، وليس على رواية منفردة تُذكر دون تحقيق. فالقرآن أثبت ولاية النبي ووجوب طاعته، وجعل له وظيفة البيان: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤). وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠).ومن هنا بحث علماء الإمامية في حديث الغدير والمنزلة والدار والثقلين، باعتبارها من البيان النبوي المتصل بدلالة القرآن على الإمامة. ويُبحث في ثبوت هذه النصوص وقرائنها ودلالاتها ضمن البناء الاستدلالي الكامل. [٦]
المحاور: السيد الحيدري
إذن لا يكفي أن نذكر حديث الغدير دون تحقيق دلالته؟
الجواب:
صحيح. بل ينبغي أن ندرس طرقه وقرائن صدوره ومناسبة الخطاب، ثم نناقش هل المراد مجرد المحبة والنصرة أم الولاية التي تتضمن حق الطاعة والقيادة. وهذا هو المنهج الذي اتبعه علماؤنا في كتبهم الاستدلالية؛ فتُراجع مباحث الإمامة في «دلائل الصدق» للشيخ محمد حسن المظفر، و«الغدير» للشيخ عبد الحسين الأميني، و«المراجعات» للسيد عبد الحسين شرف الدين. [٦]
المحور السادس: هل استمرت الإمامة في ذرية نبي الله إبراهيم (ع) ؟
المحاور: السيد الحيدري
حتى لو أثبتم إمامة نبي الله إبراهيم، فما الدليل على استمرارها في ذريته؟ وهل يمكن أن تكون قد انقطعت؟
الجواب:
قول إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وجواب الله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يبيّنان امتداد البحث في هذا العهد إلى ذريته، مع استبعاد الظالمين من نيله. وأما استمرار الحجة في كل زمان وتعيين الأئمة، فيُبحثان في ضوء الأدلة القرآنية والعقلية والروائية المتصلة بهذا الأصل. غير أن القرآن أثبت تحقق الإمامة في بعض ذريته بالفعل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: ٧٢–٧٣).فهذه الآية شاهد صريح على امتداد إمامة الهداية في ذرية إبراهيم.
المحاور: السيد الحيدري
ولكن أين الدليل على استمرارها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟
الجواب:
يُستدل على استمرار الإمامة بالبحث العقلي في ضرورة وجود الحجة، وبالأدلة القرآنية والروائية. ومن الأدلة القرآنية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧).
ووجه الاستدلال، وفق البيان الذي ذكره السيد منير الخباز حفظه الله، أن عموم «لكل قوم» يدل على عدم خلو قوم أو زمان من هادٍ. ويُقرأ ذلك مع قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ﴾ (يونس: ٣٥)، لبيان أن الهادي المقصود في هذا الاستدلال لا يحتاج إلى هادٍ بشري يخرجه من الضلال.
والمقصود بهدايته من غير هذا الاحتياج أن الله هداه واصطفاه، لا أنه مستقل عن الله في هدايته.ومن المؤيدات الروائية ما أورده الكليني في كتاب الحجة، في الباب النادر الجامع في فضل الإمام وصفاته، من وصف تعاقب أئمة الهدى وقيام الإمام اللاحق بعد السابق. ويُذكر هذا النص هنا مؤيدًا، مع إبقاء أصل الاستدلال قائمًا على مجموع أدلته. [٤]
المحور السابع: هل «الكلمة الباقية» هي الإمامة أم التوحيد؟
المحاور: السيد الحيدري
تستدلون بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: ٢٨).
ولكن ما الدليل على أن المراد بالكلمة هو الإمامة؟ ربما قصد أنها كلمة التوحيد؟
الجواب:
إذا نظرنا إلى السياق القريب في سورة الزخرف، وجدنا إعلان إبراهيم البراءة مما يعبد قومه، واستثناءه الذي فطره:﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: ٢٦–٢٧).
ومن هنا يُفهم وجه تفسير الكلمة بالتوحيد. [٥] لكن فهم الآية لا يقف عند هذا النظر الأول؛ فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، كما أكّد السيد منير الخباز حفظه الله في ملاحظاته. ولذلك تُقرأ عبارة ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ مع قوله تعالى:﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: ١٢٤).
المحاور: السيد الحيدري
وكيف تكشف المقارنة بين الآيتين عن معنى الكلمة الباقية؟
الجواب:
لفت السيد منير الخباز حفظه الله إلى خصوص التعبير بالجعل والبقاء في العقب؛ فالآية لم تقتصر على ذكر كلمة قالها إبراهيم، بل قالت: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.وبمقارنة هذا التعبير بآية الابتلاء بالكلمات، وما أعقب إتمامها من جعل إبراهيم إمامًا، يتضح وجه حمل الكلمة الباقية على الإمامة؛ فهي، وفق هذا البيان، الكلمة التي تم بها ما ابتُلي به إبراهيم، واستمر بها عهد الهداية في عقبه.
فهذا استدلال بالمقارنة بين الآيتين وتفسير القرآن بالقرآن، كما قرره السيد منير الخباز حفظه الله في ملاحظاته، وليس متوقفًا على إيراد رواية تفسيرية وحدها. وبذلك يرتبط بقاء التوحيد ببقاء الهداية الإلهية التي تحفظه في ذرية نبي الله إبراهيم (ع).
المحور الثامن: هل أهملت الحوزات العلمية منهج البحث الكلامي؟
المحاور: السيد الحيدري
المتحدث ينتقد انشغال الحوزات بعلم الأصول، ويقول إن طالب العلم قد يمضي ثلاثين سنة ولا يعرف المنهج الصحيح للاستدلال على الإمامة.
الجواب:
ينبغي هنا التمييز بين نقد المناهج التعليمية، وهو أمر مشروع، وبين التعميم على المؤسسات العلمية دون دراسة كافية. فتراث الإمامية شاهد على اهتمام واسع بعلم الكلام.
وقد صنّف الشيخ المفيد كتاب أوائل المقالات، وخصّص فيه مباحث للإمامة والعصمة. وألّف السيد المرتضى الشافي في الإمامة والذخيرة في علم الكلام. وللشيخ الطوسي تلخيص الشافي، وللعلامة الحلي نهج الحق وكشف الصدق، والباب الحادي عشر.
فلا يصح أن يُستنتج من ضعف التأهيل الكلامي عند بعض الطلاب أن المدرسة العلمية الإمامية تفتقر إلى منهج كلامي. ومع ذلك، فإن الدعوة إلى تعزيز تدريس علم الكلام، وتدريب الطلاب على تحليل الشبهات المعاصرة، دعوة جديرة بالاهتمام.
بل إن معالجة الاعتراضات المطروحة في هذا المقطع تكشف أهمية الجمع بين التفسير والأصول والحديث والرجال والكلام.
ثمرة الحوار
المحاور: السيد الحيدري
ما النتيجة التي نخرج بها من هذه المناقشة؟
الجواب:
أن الاعتراضات المذكورة لا تُسقط دلالة آية الإمامة عند قراءتها بسياقها وضم الآيات المفسرة لها.فالجعل فيها إسناد لمنصب إلهي، واستبعاد الظالمين قرينة على أن المقصود إمامة الهداية، وسياق سؤال إبراهيم وجواب الله يدل على استبعاد من تلبس بالظلم ولو في بعض عمره.
أما تعيين أمير المؤمنين عليه السلام، فيقوم الاستدلال عليه بمجموع القرآن والسنة القطعية، وتُبحث استمرارية الإمامة والكلمة الباقية ضمن الآيات والأدلة المتصلة بهذا العهد.
وثمرة هذا البحث أن نتعرف إلى أهل البيت عليهم السلام بوصفهم أئمة هداية وحججًا لله، فنأخذ عنهم معالم الدين ونجعل طاعتهم والاقتداء بهم طريقًا إلى طاعة الله ورسوله، على بصيرة بالدليل وفهم لمعنى الإمامة.
بقلم: زاهر حسين العبد الله
المصادر والمراجع
الإحالات الآتية إلى مواضع البحث، وما عُرض من كلام العلماء في المتن صيغ بالمعنى.
[١] الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، ج١، تفسير سورة البقرة، الآية ١٢٤؛ مبحث الإمامة وتقسيم أصناف الذرية بحسب التلبس بالظلم.
[٢] أوائل المقالات، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد، القول في عصمة الأئمة ووظائفهم.
[٣] الذخيرة في علم الكلام، السيد الشريف المرتضى، مبحث عصمة الإمام والاستدلال العقلي عليها.
[٤] الكافي، الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، كتاب الحجة، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته. وقد وردت الإحالة في أصل الملف إلى شرح أصول الكافي للمولى محمد صالح المازندراني، ج٥، ص٢٨٨؛ وهي إحالة إلى الشرح، وليست رقم الجزء والصفحة في أصل الكافي.
[٥] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، تفسير سورة الزخرف، الآية ٢٨؛ لبيان وجه تفسير الكلمة بالتوحيد.
[٦] دلائل الصدق لنهج الحق، الشيخ محمد حسن المظفر؛ والغدير في الكتاب والسنة والأدب، الشيخ عبد الحسين الأميني؛ والمراجعات، السيد عبد الحسين شرف الدين؛ مباحث أدلة الإمامة والولاية والنصوص النبوية.
[٧] ملاحظات سماحة السيد منير الخباز حفظه الله على هذه الحوارية، بحسب مقاطع ارسلها لي سماحته صوتية فحولتها كتابيا وضمنتها الحوارية فشكر الله سعيه في خدمة المؤمنين والمؤمنات.

تعليقات
إرسال تعليق